ابن ملقن

17

طبقات الأولياء

إذن فلا دخل للرسول صلى اللّه عليه وسلم في ذلك الأمر الذي ابتدأه اللّه به وهو الرؤيا الصادقة ، ولا في حب العزلة التي حببت إليه ، ولم يقلد فيها أحدا من الناس . وكانت تلك الخلوة قبل نزول الوحي بالقرآن وشرائع الإسلام دليلا قاطعا على أن التأمل الصوفي ظاهرة إنسانية عامة لا ترتبط بدين ولا نحلة ، كما كان نزول القرآن أثناءها دليلا آخر على أنها ظاهرة إسلامية قرآنية في دين الإسلام . أو بمعنى أوضح : كانت دليلا على أن الإسلام يبقى على الظواهر الإنسانية التي تتفق مع مساره نحو إنماء المعرفة الإنسانية ، وتزويد الإنسان بأدواتها ، وصقل النفس استعدادا لتلقيها من عالم الغيب ، لا من عالم الكتب والاقتباس ، كما حدث لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في عالم الخلوة التي تعتبر من صميم السلوك الصوفي ، وإن كان صاحبها في عالم الجلوة . وإذا أبقى الإسلام على الظواهر الإنسانية التي تتفق مع مساره وأقرها حينما تظهر على هذه الصورة ، بل وفي قمة الإسلام وهو الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه كذلك بالضرورة قد أبقى على أبعاض الحقائق التي وصل إليها المتأملون القدامى ، ما دامت تتفق مع اتجاهاته ، وهو الأمر الذي أحدث اللبس عند الكثيرين حينما تتوارد الخواطر على معنى واحد في القديم وفي الحديث ، أما الحقيقة الكاملة فهي التي تستند إلى عقيدة مقررة من عالم الغيب وحده . * * * والنظرة الدقيقة إلى سلوك النبي صلى اللّه عليه وسلم تعطينا الإيمان بحقيقة على غاية من الأهمية من ناحية الفصل في قضية الاقتباس التي اتهم بها صوفية المسلمين ، وأنهم اقتبسوا تصوفهم من تصوف غيرهم ، وذلك أن أخلاق الرسول صلى اللّه عليه وسلم وسلوكياته ، وهي المنار الذي يهتدى به الصوفية دائما إنما كانت عن طبيعة